رسالة اعتذار لهانا بيكر

أحدث مسلسل (13 Reasons Why) ضجة كبيرة حين تم عرضه على نتفلكس في مارس من هذا العام. فقد حظي المسلسل باهتمام النقاد والمشاهير أمثال ليدي قاقا وإلين ديجينرس وغيرهم، وقد تعاطف الجمهور الأمريكي والأوروبي وحتى العربي مع أحداث المسلسل، هذه الشهرة التي اكتسبها لم تكن غريبة فكما قالت المذيعة إلين ديجينرس في مقابلتها لبطلي المسلسل أن المسلسل يستحق ما لقيه من شهرة لأنه بطريقة أو أخرى يمس كل منا، وأننا جميعا –من دون استثناء- تعرضنا إلى نوع أو آخر من الابتزاز العاطفي والتنمر.

تدور أحداث المسلسل عن مراهقة اسمها (هانا بيكر) تقدم على الانتحار مخلفةً وراءها أشرطة كاسيت تذكر فيها أسباب انتحارها، نحن كمشاهدين نرى الشاب (كلاي) يستمع لهذه الأشرطة. مع كل حلقة في المسلسل، نتعرف أكثر على من لعب دورا في مأساة (هانا بيكر) من تجاهل والديها إلى نشر صورها في وضعيات مخلة واغتصابها في أحد الحفلات، ناهيك عما تواجهه من تنمر في المدرسة.

بغض النظر عن إبداع فكرة المسلسل باللعب على الشعور الإنساني النبيل (الشعور بالذنب) وحرفية كتابة الحوارات وتطور الشخصيات والأحداث فيه، إلا أنني في بداية الأمر لم أتعاطف مع البطلة وشعرت أنها مجرد مراهقة مضطربة ويائسة تبالغ في ردود فعلها وتريد لفت النظر لا غير. غرّدت بهذه الفكرة ووجدت الكثيرين من العرب وغير العرب يوافقونني الرأي، منزعجون من تصرفات البطلة اللا مسؤولة لدرجة أن البعض رأى أنها تستحق ما حصل لها.

بعد أيام من هذه التغريدة المنسية كنت أشن حملة تنظيف لصندوق ايميلي الوارد، واكتشفت أني لا زلت أحتفظ بإيميلات أُرسلت لي من مجهول عام ٢٠١٢ واستمرت الى ٢٠١٤. تضمنت الايميلات تهديدات بالفضيحة وإلحاق العار بي وأخواتي، وأننا ندعي الشرف في مواقع التواصل الاجتماعي وأنه سيتم الكشف عن كل ما “أفعله” لأهلي، التزمت الصمت والتجاهل لمدة طويلة لم أعرف فيها طعما للنوم، فقد كنت قلقة بعض الشيء، فعائلتي ليست العائلة المنفتحة كثيرا ولا تتفق مع كثير مما أفعل. شاركت أخواتي وأخي هذه الايميلات وكلهم نصحوني بالتزام الصمت، إلى أن أتى اليوم الذي نفذ المجهول فيه تهديده قبل موعد رحلتي من أمريكا –حيث ابتعثت- إلى السعودية. ما شعرت به وأختي ذلك اليوم من رعب كان كفيلا أن يسبب لنا سكتة قلبية، في حين أن أبي رجل عاقل وحكيم إلا أنه كسائر الآباء لن يعجبه أبدا أن يقوم مترصد وجاسوس بالنبش خلف بناته، وفي حين أن أمنا من أكبر الداعمين لنا –مهما اختلفت طرقنا الحياتية- إلا أنها تظل تلك البسيطة التي لا تريد لبناتها إلا الستر والعافية،. دار في بالي ١٠٠ سيناريو طوال الرحلة من سان فرانسسكو إلى جدة والتي استغرقت ١٧ ساعة: من بينها الضرب، أو محاضرة طويلة تنتهي بالحبس في البيت، تخيل دموع أمي كان كفيلا برغبتي في أن تسقط الطائرة ونموت جميعا. لن أطيل في التفاصيل الشخصية ولكن ولله الحمد لم يحصل شيء فقد كانا من أشد الناس تفهما وحرصا على أن نعي أننا لسنا المخطئين هنا وإنما الضحايا؛ ضحايا الابتزاز، ضحايا التنمر وضحايا هذا المجتمع المدعي المثالية والذي ينصّب فيه أفراده دور وكلاء ادم في ذريته باسم التناصح والاحتساب.

لم ألق بهذه الإيميلات في سلة المهملات وأنوي الاحتفاظ بعفنها وعفن من خلفها لتذكرني دائما أنني أدين لهانا بيكر باعتذار كبير، فبالرغم أني لم أقدم على الانتحار إلا أنني عانيت ليالي كثيرة من الأرق والتفكير ولوم الذات على أنني مختلفة، وعنّفت نفسي لأني لست كما يريدني الآخرين، ووبختُ عقلي الذي وبمجرد أنه يفكر بطريقة لا يقبلها المجتمع، أصبحتُ (عاهرة)، (مستشرفة)، (منافقة)، و(عديمة التربية والأخلاق أستحق العار). تلك الايميلات كانت كفيلة بأن تحث مراهقة غير ناضجة أن تقدم على الانتحار، على الهرب من بلادها، أو على إلحاق الضرر بنفسها لأننا مجتمع لا يتفهم الاختلاف، ولا ينظر للخطأ على أنه تجربة تعلمنا وإنما سقطة نستحق من أجلها الخلود في جهنم. نحن شعب يركض خلف الفضيحة ركض الكلاب المسعورة وراء اللحم، نريد الستر وندعو من أجله، ولا نفكر مرتين في التغريد عن فلان السكران وفلان الحرامي أو مؤخرة فلانة “الفاشنيستا” التي ظهرت في إحدى جلسات التصوير بالخطأ، ثم وبكل بجاحة نبرر أنهم هم من “جابوه” لأنفسهم، وكأن الطبيعي منا يريد لنفسه الفضيحة والعار.

ولا نفكر لوهلة أنه ربما للحقيقة وجه آخر، وللحياة أسلوب مخالف، وأنه ربما لكل منا الحق في ارتكاب الخطأ والصواب من دون التربص والتجسس على بعضنا البعض. أرجو حقا أن ندرك أن التنمر مشكلة حقيقية يبدأ حلها في العمل بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم “من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه” و”المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”

نحن بخير …

(ربما)

تعتقد -مخطئا- لوقتٍ طويل أنك بأفضل حال، وأن قلبك قد تخلص تماما من شوائب الحب وعذابات الفراق وكل المشاعر التي كانت تؤذيك يوما ما، فتمضي في حياتك مؤمنا أنك قوي، متيقنا أن ما من قوةٍ تقهرك. تنخرط في مسالك الحياة طالبا العلم أو العمل، وتصنع صداقات الخفيفة والسطحية مع هذا وتلك. ثم فجأة –وبدون سابق إنذار- بينما تشرب كوب قهوتك في الصباح، أو ممدا على سريرك تنتظر النوم، أو في مطعم وسط ثلة من أصدقائك، تتكسر عند شواطئك أمواج الضعف، واحدة تلو الأخرى، تغمر قلبك لتوهنه وتثقله بإحساس الغريق العاجز عن النجاة، ولأنك مارستَ القوة لفترات طويلة تعجز عيناك عن البكاء، وتظل تعصر مقلتيك أملا في التنفيس عن غرقك… لا جدوى

(اشتياق)

يغزوكَ الاشتياق .. كتائب كتائب.. فتظل مسمّرا في مكانك لا تدري ما انت فاعلٌ بهذا الشعور! تشتاق إليه، تشتاق إلى تلك المشاعر التي أثارها في قلبك، وإلى السعادة التي كانت تملأ قلبك كلما رن هاتفك بنغمته الخاصة، وإلى الفراشات تطير في معدتك كلما أرسل صورة أو أسمعك إهداء من جهاز الراديو.. تشتاق إلى لحظات القلق، الغضب، الحب والجنون والغزل. وتظل ثابتا في مكانك كالخشبة لا تعلم مالذي تفعله حيال هذا الشعور البغيض، والذي عوّدت نفسك لأشهر طويلة على عدم الإحساس به. ثم تتساءل في لحظة تعقل وبصيرة ما إذا كنت حقا تشتاق إليه، أو أن وحدتك التي تصارعها كل يوم قد غلبتك هذه المرة؟ واليوم تقرر أن تستسلم لهذا الشعور …

(درس)

ولأنك مارستَ القوة لفترات طويلة في حياتك، تعجز عن الاستمرار في شعور الاشتياق والأسف على نفسك الوحيدة، لتقرر أنك سترى النصف الممتلئ من الكأس وتتذكر كل ما تعلمته من ذلك الشخص القابع في عداد الذكريات، وتدرك أن جميع الأشياء التي تعرفها عن نفسك كانت من نتائج تجربتك، وأن أهم ما تعلمته هو ألا تجعل من العطاء عادة لأنها تضعفك وتجعل منك شخصا يسهل على الآخرين استغلاله. تعلمت أيضا أنه إن كان يحبك حقا، فإنه لم يكن ليسمح لنفسه أن يضعها في موقف خسارتك.. وأن عزة نفسك لا تكتسب إلا بعد أن تعز نفسك أولا..

(استنتاج)

والآن وبعد هذه التجليّات تشعر بالخفة.

وكأن ما كان يثقلك قد انتقل منك إلى الفضاء الواسع في موجات تتبدد سريعا. ما عدتَ تشعر بالاشتياق والوحدة، وقد تخلصت أيضا من عقدة الشعور بالذنب لرحيل من كان قرارهم الرحيل. تشعر أنك الآن أقوى وانت تتحكم في عزائم أمور قلبك.

ولكن احذر يا صديقي، إياك أن تعتقد -مخطئا- لوقتٍ طويل أنك بأفضل حال، وأن قلبك قد تخلص تماما من شوائب الحب وعذابات الفراق وكل المشاعر التي كانت تؤذيك يوما ما، فتمضي في حياتك مؤمنا أنك قوي، متيقنا أن ما من قوةٍ تقهرك..

يا ندمانة

بغض النظر عن سخف أغنية “يا ندمانة” ولنصرف النظر عن لحنها الذي يسري عبر جسدك ككهرباء كُبس ٢٢٠ لتبدأ أعضاءك في الاهتزاز بشكل هستيري أهبل، وسأتغاضى -أنا- عن جُرم كتابتي عن هذه الأغنية ولكن عبارة “يا ندمانة” تصف حالة صديقتي بعد أن فقدت أعز أصدقاءها..

والآن -كنتيجة لهذا الفقد- تغرق في حزن يباغتها فجأة! حين نكون وسط حشد كبير من الفتيات السعيدات في مناسبة سعيدة،يبدو أن هذه الأغنية التي ومن المفترض أن “تشكشك” عليها صديقتي، أصبحت تثير في مقلتيها غشاوة تحاول جاهدةً أن لا تفيض فيظهر سُخف منطقها، وتظهر حساسية قلبها..

خلفية: في أحد ليالي يوليو الحار، التقت صديقتي بصديقها -لأول مرة-، ثم وفي نفس الليلة، ندمت على لقائهم، فقد تيقّنت تلك الندمانة أن محرّك صداقتهما جاذبية، وأن من تسميه صديقها هو الرجل الذي تقفز حواسها لمجرد اتصاله، وأنه الوحيد الذي تفتقده كلما غاب.. وتماما كما تنبأت أنه وبعد كل هذه المحادثات على مدار الساعة، واللقاءات النادرة، والضحك والنقاشات سيصدح صوت زايد الصالح الأبعد ما يكون عن “الطربي” ليثقب قلبها بكلمة “يا ندمانة” ويفجّر ندم معشر الجن والإنس مجتمعين داخلها

أول مرة

أعجز -غالبا- عن كتابة الغزل

فمثله ليس له مثْل..

قد كانت الأيام صافية

وتمر من دون حاجة للأمل

ثم دخل معترك حياتي

وعبثَ فيها وفي قلبي كالطفل

لم أشكو إلا من بعض الخصام

وأغلب الشكوى جهل

فالحب ضحة ودمعة ولا يكون

حقيقة إن غاب الأمل

والحب مهما كان،

قريبا أو بعيدا

بنهاية سعيدة أو مقطوع الأجل

هو حالة

هو شعور

يتوق إليه قلبي

سالكا كل السُبل

من عجائب الحب

حين يهاجر عنك الحب،لا يتركك فارغا،

-تود أنه لو فعل-

لكنه يتركك ببطء؛

ممتلئ بالشوق،

ممتلئ بالانتظار

-ببطء قاتل- 

يجتثُ منك الفرح والصبر،

حين يتركك الحب، 

لا يتركك بوقارك،

-تتمنى لو أنه فعل-

وإنما يجرّدك من قيمتك،

من روتينك

حين يهاجر عنك الحب،

لا يتركك فارغا،

-تود أنه لو فعل-

لكنه يتركك ببطء.. 

يفرغك من المكالمات،

من كلمات الغزل

-ببطء قاتل- 

يجتثُ منك الفرح والصبر،

حين يتركك الحب، 

لا يتركك بوقارك،

وإنما يجرّدك من قيمتك

-ببطء قاتل- 

لتصبح أسير دموعك،

فراشك

ووحدتك..

تصبح سجينا لأمنياتك،

وصلواتك بأن يعود

حين يغيب عنك الحب،

لا يغيب وحسب،

-تود لو أنه فعل-

لكن يغيب معه المنطق،

والرشد،

وجميع قصائد الحب 

يغيب الجمال،

-ببطء قاتل- 

فكرة مغلقة.. جدا

في مكان ما على ناصية القدر تفقد شيء ما كان يضيء لك قلبك:

شخصٌ أو شعور

فكرة

غيابٌ أو حضور

تفقده للأبد، وتظل تدور في دوامات من الجنون،

تبكي، وتفيض الدموع من مقلتيك إلى أن يصيبك الفتور،

تقسو ثم تفتش بكل ما أوتيت من ذرات الشك عن طرق تعيد إليك ما فقدت،

وتصلي بيقين الأتقياء من أجل استحضار ذكريات وابتسامات من ودّعت

تظل في هذه الحالة تتأرجح بين الشك واليقين،

بين الجفو والحنين

وبين ظل بارد ونار الجحيم،

تظل عاجزا عن الفرح، يائسا من الناس

محروما من المنطق الذي يسطع أمامك مثل الشمس

فلا صلواتك استجيبت

ولا الكفر بالقدر أفادك،

وها انت ترسم بمساحيق الأمل لُطفا زائفا على أيامك،

وتصبغ بألوان الحياة قوة باهتة تعيش بها لحظاتك

ثم تعود آخر الليل لسريرك خائبا

رماديا

منقلبا على عقبيك ليمر الزمان بك بخيلا

وكنت قد توسّمت فيه مرور الكرام

حالة

توقفتُ عن الكتابة لأشهر الآن،فالسعادة حالة أعيشها الآن ولا تلهمني أبدا،

أتغذى على الحزن

وأكتب عن الحزن،

اشتقتُ لقلمي،

لمشاعري تنساب بلا توقف على الورق،

لكني مملوءة بالفرح

غارقة في الحب

للحد الذي يجعلني أتخلى عن كتاباتي وأوراقي 

في سبيل أبدية هذا الشعور 

نسخة 

لطالما كنت الشخص الخطأ؛من لا يثقون في رأيه وأحكامه،

لفترة طويلة حاولت بكل ما أوتيت من مقاومة 

أن اثبت لهم أنهم مخطئين 

وأني أمتلك عقلا راجحا يزن بلد أحيانا،

وأقول أحيانا لأني انسان خاضعة دائما لاحتمال الوقوع في الخطأ؛

ولكني رأيت في مقاومتي

وقتالي خسارة لكل من هم حولي

خسارة ما اعتدتُ عليه

ومن أحب 

لذلك فضّلت الإيمان بما يؤمنون،

وأني حقا لا أمتلك منطقًا “مدوزن” 

وقررتُ لهم السماح بالتفكير عني،

هكذا أفضل

فسُكناهم دماغي،

 يضمن لي 

سكن قلوبهم 💁🏼

نسخة الاعتذار من أحبك

يقولون كلٌ يحمل وطنه في قلبه، فأقول ماذا لو لم يكن لي قلب؟ أين الوطن بلا قلب؟

ماذا لو انتهى القلب منذ أزمان، والآن أظن أني هائمة في أرض الله الواسعة، بين أنهار الدموع والمشاعر القفار،

أبحث عن قلب

عن وطن..

عن مكان أستوطنه..

ماذا لو لم يكن لي قلب؟

ماذا لو قُدّر لي الشقاء المؤبد؟

أين يكون الوطن بلا قلب؟