الفصل الثاني: الحياة تعوّر

الألم جزء -طبيعي- من الحياة ومهما كبر ألمك أو صغُر يبقى سنّة كونية يجب أن تمر من خلالها. ففي بعض الأغنيات تجد ألما لذيذا تستمتع به، وأحيانا تجده عند الفقْد. أحيانا تقرأ عن الوجع في رواية أو بيت شعر وبعض الأيام تختبره في الموت. أيا يكن فهذا الإحساس  الذي تحاول وبكل ما أوتيت من حذر عدم الشعور به، يتلقّفك من حيث لا تحتسب. وحين يتلبّسك يغيّرك ثم يتركك شخص آخر: إنسانا أقوى وربما أكثر حكمة. لذلك كان من الضروري كتابة هذه السطور، حتى حين تختبر أي درجة من درجات الألم، تستعد له، تستقبله بكل تواضع، تعانقه كما لو كان أحب شيء لقلبك؛ هكذا يمر من خلالك مرور الكرام وتنضج أسرع وتكون أكثر استعدادا لاستقبال الفرح

Advertisements

باب الصابرين

تصطبر على الحياة في بعدهم: مؤمنا أن القدر لا يهديك إلا السعادة وإن طالت ليالي الأرق والكآبة. تحاول أن تعيش يومك متجاهلا تفاصيل كثيرة تذكرك بهم، كباب شقتك المكسور والذي كان محور حديثكم لساعات، ومخدتك التي سببت لك آلاما في الرقبة حاولوا مرات عديدة نصحك حيالها، وطبعا والأكيد شاشة هاتفك التي كلما أضاءت أحدثت في قلبك مهرجانا من الآلام وكرنفالا من الدموع المحبوسة والعديد العديد من ألوان قوس قزح التي تشرق بالأمل الذي ينطفئ بمجرد أن ترى أن من يرسل لك هذه الساعة ليس -هم-. تصطبر وتتصبّر وانت تراهم يضحكون ويبكون وأحيانا يشتكون ويكرهون، ولابد لك من أجل الذوق العام والاتيكيت الاجتماعي أن تستجمع قواك وتصطبر؛ فمن كتبت لهم الحياة العيش من دونك، سيعيشون -بسعادة- من دونك، ومن تقرر الأقدار أنهم بأفضل حال بعيدين عنك، سيبتعدون عنك، ليعلّمك الله أن التعلّق بالأشخاص مرض، وأن حافة الجنون ماهي إلا عَرَض، وأنه لن يدوم لك أحد مهما طالت العشرة واسترسلت في حبك وتغنّيتَ بالأشواق والذكريات والوجد. تصطبر وتبدأ في اكتشاف أنواع السعادة السبعة أو الثمانية أو المليون، تتعلم أن الحياة -في آخر الأمر- ستهديك السعادة أشكالا وأنواعا، وستسرق من سعادتك أيضا أشكالا وأنواعا أخرى. لذلك تظل تعيش حياتك صابر متصبّرا آملا أن تدخل الجنة من باب الصابرين

انتصار بطعم الهزيمة

لا أستطيع وصف شعور رؤيتي لنور حياتي يشع أمامي بعد دهر من الغياب والوحدة. هندامه أسرَّ نظري وشعرت ببعض الوخزات في قلبي حسبتُ حينها أنه البرد.

كان يرتدي كنزة صوفية زرقاء بلون السماء؛ الأزرق السماوي لونه المفضل، أعتقد أن هذا ما فعله غيابه بي، حولني لإنسانة مليئة بالرضّات الزرقاء التي لا تشْفى ولا يتغير لونها بل تتكاثر ويزداد اتساعها مع الأيام.

لا تسعفني الكلمات، وأعجز عن صفصفة ما دار في قلبي من ألم وحنين للذكريات، وفي نفس اللحظة غضبٌ عارم من شعور الاستغفال وتكرار الخيانات،

لا أذكر الآن كيف آلت الأمور إلى ماهي عليه الآن من انفصال،

-أكذب-

أذكر جيدا وبالتفاصيل ما حصل،

كيف أنسى الدموع

والإساءات المتكررة لرئتيّ

أذكر جيدا الفراغ وثقله

والاشتياق وجرائمه

لكني أتناسى،

لم أُشف تماما ولا أعتقد أني سأشفى قريبا،

فبسببه أضاءت حياتي وانطفأت

وبنيت ثقتي وانهدمت،

لكني أتناسى!

أحاول أن أعيش “جنب الحيطة”

ابتسم لي –بعد سلسلة من الغياب المنقطع الذي يجدد في نفسي الأمل- وابتسمت أنا،

قرأت في عينيه اعتذارا طويلا، وتبريرات أبدية، وبلمسة من يدي طمأنته ألا يحار؛ فالماضي الذي ولّى لن يعود، وبقدر صلواتي التي تلوتها على الله، لا أريده أن يعود

فالحب من قلبي استحال إلى زرقة أغمق بقليل من الكنزة السماوية التي يرتديها،

وما تبقى من أمل استُنفد مع الدموع المصبوبة في مساءاتي الطويلة

أما هو فقد طأطأ رأسه شاكرا عقلي الذي لطالما وزن أموره بالمنقلة والفرجار، غافلا عن جبال الكمد التي ظلت تطبق على قفصي الصدري مرارا كلما نظرت إلى ملامحه، ومتناسيا سيل رسائل الحنين الذي أغرق هاتفه ومحاولات استجداء رجوعه، وغاضّا الطرف عن انكسارات حروفي أثناء الحديث معه.

أفلتّ أصابعي من يده وابتسمت من بين ألف دمعة قررت أن تجف لحظتها وللأبد، ابتسمت وقلت له “صباح الخير يا صديقي، لنبدأ هذا اليوم الجديد من جديد”

لا أستطيع وصف شعور رؤيتي لنور حياتي يشع أمامي بعد دهر من الغياب والوحدة. لا أستطيع وصف الوهج وهو ينطفئ أمامي ويشتعل ثم ينطفئ مرة أخرى وللأبد.

 

بقعة الصودا ٢: الابن الكبير

الابن الكبير:

عشتُ في هذه الشقة لاثني عشرة سنة تمر علي وكأنها الأبدية في جهنم! وسط أناس يُقال عنهم عائلتي. أم وأب يجمعهم صك زواج فقط ولا يجمعهم أي رابط آخر إلّاه، سكنوا هذا الجحيم منذ عقود، من قبل أن يأتوا بي إلى هذا العالم، إذن هذه البقعة القميئة من الكرة الأرضية هي مسقط رأسي… تعلمت أن أقضي اليوم كله في الادعاء أنني أذاكر وانا في حقيقة الأمر أنشغل بدماغي عن هذا العالم: ألملم حولي أوراق كثيرة في الزاوية هناك وأبدأ في كتابة أي أغنية تطرآ على بالي، أو رسم الدوائر التي تمثل أبدية الجحيم هذا… على يساري نافذة طويلة جدا تطل على ملعب الكرة الذي لطالما رغبت اللعب فيه مع أولاد الحارة ولكن لأن الماء مقسّم بالتساوي بين أفراد العائلة هذه، فإنني لا استطيع أن أستحم كل يوم بعد اللعب، فأفضل عدم اللعب والتعرق كليا فيكفيني من هذا البيت أن أخرج للعالم برائحة البول التي تنتشر في زوايا الصالة لتعلق في ثيابي فتفوح مني كلما حركت يديّ.. أما على يميني تمتد غرفة المعيشة الصغيرة هذه وأكثر ما يشد انتباهي هي تلك البقعة البنية المخضرّة والتي كنت المتسبب الأول فيها. كنت حينها قد سرقت علبة الصودا من الثلاجة، كنت أظن أني بمأمن عن أمي النائمة، بركتُ وسط الصالة هناك بالضبط محدقا في العلبة وأنا أتذكر كل كلمات الوعيد والتهديد لمن يشرب هذا المشروب الأسود المضر بالصحة كما تقول أمي، إذن لم تشربه هي مع كل وجبة؟ ثم تصدر صوتا بعد كل رشفة، صوتا مغريا يدل على أن ما تشربه ممتلئ بالسعادة، بشعور لا يمت لحياتنا المتهالكة بصلة، لذلك أصبح هاجسي الوحيد تلك الأيام أن أحظى بلحظة نشوة مماثلة لنشوة أمي. فتحت العلبة التي أصدرت صوتا أشبه بالفرقعة، تلك الفرقعة التي دوت في أرجاء البيت وقتلت السكون، تلك الفرقعة التي أيقظت أمي من سباتها لتأتي مسرعة غاضبة تقذف الشتائم بأعلى صوت. رشفت رشفة كبيرة بسرعة قبل أن تصل أمي لي، رشفة دغدغت لساني وسقف حلقي، رشفة أعادت لي الحياة قبل أن يصل كف أمي الأبيض طائرا نفاثا لوجهي. والنتيجة طبعا، سقوط علبة الصودا من يدي وانسكاب سائلها الأسود على البساط الأبيض مخلفا تباينا رهيبا في ديكور الغرفة، ومحدثا بقعة سوداء في قلبي: هذه البقعة التي تكبر كلما جال بصري حول غرفة المعيشة وسقطت عيناي نحو بقعة الصودا. هذه البقعة التي تناديني باستمرار لأرتكب حماقة أشبه بفيلم الرعب الذي ينتهي بنهاية سعيدة يعيش فيها الشرير مبتسما سعيدا لأن من حوله لم يقبضوا عليه. بقعة سوداء تتسع كلما علا صوت أمي، آو بدأ أبي بالصراخ، ثقب أسود يلتهم البيت بمن فيه ليخفي العفن، ليخفي الحزن، ليخفي المناقشات الحادة، والصفعات المتتالية، يلتهم الفقر والجوع وليالي الأسى والحرمان، ثقب أسود يبتلع الحياة تماما كما تبتلع بقعة الصودا أمي وأبي وأخي الرضيع.

على شفا حفرةٍ من خراب مالطا

قل بالله عليك كيف كنتَ تتوقع النهاية؟

نهاية هذا الحب 

أو هذه المشاعر التي قررتَ أن تكون عشق أو علاقة؟

مالذي توقعته؟ كيف كان شكل النهاية التي رسمتها؟

مؤلمة؟

موجعة؟

هي دائما هكذا؛ مهما بلغتَ من السعادة مبلغا، تظل النهايات بائسة.

وأنتَ انتَ لم تتغير؛

لازلتَ صاحب الروح العجوز، 

ذو الوجه الدائري الذي ينضح بالضحكات

وداخله توقٌ للحزن ودراما العلاقات،

فلا تستحق السعادة وإن عشتها، لا تبقى طويلا بين يديك،

سرعان ما تمسك بها بكلتا يديك وبكل وعي لترميها بعيدا وتهرب؛

تهرب إلى أقرب زاوية تعيسة

هناك فقط حيث الظلام والنكد

تشعر بالاطمئنان؛

بين دموعك 

كتاباتك 

وأغانيك 

تجد سلوى موجعة

راحة مألوفة ومعتادٌ عليها؛

حيث الفراق ولوعات الغياب تستقبل الوجع بكل أُلفة

وتبدأ محاولات النسيان.

تتذكرهم بين الفينة والأخرى بوضوح أكبر

وتشكرهم دائما على التراجيديا التي أوقعوها بحياتك،

تلك التراجيديا التي كنت انت السبب فيها -دائما-

لأنك أدركت (بوعي أو من دون وعي) أنك من خلالها تكبر

وتكبر لتصبح عظيما؛

فبعضنا لم يُخلق للسعادة

ولكن للعظمة 

الجروح تبقى

تقضي الأيام وينقضي العمر وانت تبحث عن أي سببٍ لتبقى،لتكمل المسيرة

وتمضي،

غير مدركا أنه لربما كان في الرحيل خير؛

ولربما البُعد هو ما تجيده

والانفصال هو الحل؛

وأن ما تتشاركه في الحب يفنى

وأن من أكبر الأخطاء 

في حقك

في حقهم

أن تبقى ..

بقعة الصودا ١: الخادمة

الخادمة:

عائلة همجية.. غرفة معيشتهم كأنها زريبة خنازير يسكنها أربعة مخلوقات تقف على قدمين! بعض الألعاب لطفلهم ملقاة في الزاوية بجانب كومة كبيرة من أوراق مذاكرة ابنهم الكبير.. وخلف الصوفا المهترئة تخبئ الأم أدوات زينتها التي لطخت البساط ببعض البقع الحمراء والبنفسجية. تضع أمهم مساحيق التجميل خلف الصوفا في الصالة لأن غرفتها لا تكفي لأي غرض آخر غير السرير ونبتة صبار جائعة تشبه التصحّر المادي والعاطفي الذي يعاني منه أفراد العائلة! وهكذا أصبحت الصالة بجدرانها الكريمية المصفرّة من أثر دخان التبغ مرتعا لجميع أنواع المخلّفات، ومما يزيد غرفة المعيشة شحوبا، مصابيحها الثلاثة التي لا تعمل بشكل فعال فإحدى هذه المصابيح مكسور والآخر يضطرب نوره المنبعث منه بسرعة فيبعث فيك الشعور بالغثيان. أما أكثر ما يسبب القرف -باستثناء رائحة دورة المياه التي تنشر عبقها في جميع أرجاء الصالة- هو بقعة الصودا الكبيرة في وسط الصالة. هذه البقعة التي تعيش هنا من قبل أن آتي للعمل، ويبدو أن أفراد العائلة البدائيين لم يتكلفوا عناء تنظيفها، فقد غزتها جميع أنواع الفطريات والعفن التي تم اكتشافها والتي لم يحن اكتشفاها للآن وأصبحت معلما في الصالة يستعملها أفراد العائلة كسفرة خيالية يضعون فوقها أطباقهم حين الأكل.

أما أنا فقد حظيت بنعمة تنظيف بيت الأشباح هذا ثلاث مرات في الأسبوع مقابل ملاليم لا تذكر، ومهما تفانيت في التنظيف والغسل –كما كنت أفعل أول أيامي قبل أن اكتشف قذارة العائلة المقصودة- يبقى المكان قذرا لن يتم تعقيمه إلا بهدمه وإعادة بناءه مجددا!

أتمنى أن يموتوا قريبا.. أربعتهم.. حتى طفلهم الرضيع الملطخ ببقع البراز والقيء يجب أن يموت: هكذا تختفي بعض الوباءات من سطح الكرة الأرضية ويكون موتهم أعظم خدمة إنسانية قدموها

فكرة لا صوت لها

أعلم تماما حاجتك الماسة للفضفضة عن حزن ينهش أحشاءك، والكلام عن وجعٍ ألمّ بك، ومشاركتك الآخرين ذلك الجلل الذي زلزل كيانك وأفقدك الثقة في نفسك ومن حولك، أتفهم رغبتك في الترويح عن نفسك أو الانغماس في براثن تعاستك، ففي ذلك -القلب الأحمر لتغريداتك-  نوعا من السلوان و وفي ضغطة زر إعادة سلسلة تغريداتك البائسة نوعا من التعزية لقلبك المكلوم،

أما أنا عزيزي – ومع تفهمي لسيكولوجية الإنسان التكنولوجي المعاصر- لستُ مضطرة لتحمل وعثاء شكواك المستمرة في مواقع التواصل الاجتماعي وإن كنت (وأنا جادّة) أدعي لك في السر أن يجبر الله قلبك ويزيل همومك، لذلك كان لابد من حذفك وإلغاء متابعتك، وأسألك بالله ألا تلمني .. لأني حين أجلب لك القرف بسبب ما أكتبه حين يصيبني كسر أو يمسني حزن، لا أعتب عليك ولا ألومك إن لم تتحمل ما أصب في وجهك من استفراغات لا معنى لها

Chapter 1

Linah A. Sofi

While I am still struggling with Sprint to get my international texting service to work, I can’t help but thinking it’s David’s fault! I have unlimited texting included in my plan, yet, it still won’t work. I can’t text my family back in Saudi Arabia. One scenario of many I live on daily basis struggling to make my life work here in the States with the man I’m in love with deeply. The only thought keeping my head in place, and my hopes high is knowing that the hard part is over with. It is the part where I had to fight battles to win David. I had to battle my own demons, fight my own family and stand in the face of two drastically different cultures.

I was born and raised in Jeddah, Saudi Arabia, a rapidly developing city. I was born into a somewhat conservative family. However, compared…

View original post 686 more words

رسالة اعتذار لهانا بيكر

أحدث مسلسل (13 Reasons Why) ضجة كبيرة حين تم عرضه على نتفلكس في مارس من هذا العام. فقد حظي المسلسل باهتمام النقاد والمشاهير أمثال ليدي قاقا وإلين ديجينرس وغيرهم، وقد تعاطف الجمهور الأمريكي والأوروبي وحتى العربي مع أحداث المسلسل، هذه الشهرة التي اكتسبها لم تكن غريبة فكما قالت المذيعة إلين ديجينرس في مقابلتها لبطلي المسلسل أن المسلسل يستحق ما لقيه من شهرة لأنه بطريقة أو أخرى يمس كل منا، وأننا جميعا –من دون استثناء- تعرضنا إلى نوع أو آخر من الابتزاز العاطفي والتنمر.

تدور أحداث المسلسل عن مراهقة اسمها (هانا بيكر) تقدم على الانتحار مخلفةً وراءها أشرطة كاسيت تذكر فيها أسباب انتحارها، نحن كمشاهدين نرى الشاب (كلاي) يستمع لهذه الأشرطة. مع كل حلقة في المسلسل، نتعرف أكثر على من لعب دورا في مأساة (هانا بيكر) من تجاهل والديها إلى نشر صورها في وضعيات مخلة واغتصابها في أحد الحفلات، ناهيك عما تواجهه من تنمر في المدرسة.

بغض النظر عن إبداع فكرة المسلسل باللعب على الشعور الإنساني النبيل (الشعور بالذنب) وحرفية كتابة الحوارات وتطور الشخصيات والأحداث فيه، إلا أنني في بداية الأمر لم أتعاطف مع البطلة وشعرت أنها مجرد مراهقة مضطربة ويائسة تبالغ في ردود فعلها وتريد لفت النظر لا غير. غرّدت بهذه الفكرة ووجدت الكثيرين من العرب وغير العرب يوافقونني الرأي، منزعجون من تصرفات البطلة اللا مسؤولة لدرجة أن البعض رأى أنها تستحق ما حصل لها.

بعد أيام من هذه التغريدة المنسية كنت أشن حملة تنظيف لصندوق ايميلي الوارد، واكتشفت أني لا زلت أحتفظ بإيميلات أُرسلت لي من مجهول عام ٢٠١٢ واستمرت الى ٢٠١٤. تضمنت الايميلات تهديدات بالفضيحة وإلحاق العار بي وأخواتي، وأننا ندعي الشرف في مواقع التواصل الاجتماعي وأنه سيتم الكشف عن كل ما “أفعله” لأهلي، التزمت الصمت والتجاهل لمدة طويلة لم أعرف فيها طعما للنوم، فقد كنت قلقة بعض الشيء، فعائلتي ليست العائلة المنفتحة كثيرا ولا تتفق مع كثير مما أفعل. شاركت أخواتي وأخي هذه الايميلات وكلهم نصحوني بالتزام الصمت، إلى أن أتى اليوم الذي نفذ المجهول فيه تهديده قبل موعد رحلتي من أمريكا –حيث ابتعثت- إلى السعودية. ما شعرت به وأختي ذلك اليوم من رعب كان كفيلا أن يسبب لنا سكتة قلبية، في حين أن أبي رجل عاقل وحكيم إلا أنه كسائر الآباء لن يعجبه أبدا أن يقوم مترصد وجاسوس بالنبش خلف بناته، وفي حين أن أمنا من أكبر الداعمين لنا –مهما اختلفت طرقنا الحياتية- إلا أنها تظل تلك البسيطة التي لا تريد لبناتها إلا الستر والعافية،. دار في بالي ١٠٠ سيناريو طوال الرحلة من سان فرانسسكو إلى جدة والتي استغرقت ١٧ ساعة: من بينها الضرب، أو محاضرة طويلة تنتهي بالحبس في البيت، تخيل دموع أمي كان كفيلا برغبتي في أن تسقط الطائرة ونموت جميعا. لن أطيل في التفاصيل الشخصية ولكن ولله الحمد لم يحصل شيء فقد كانا من أشد الناس تفهما وحرصا على أن نعي أننا لسنا المخطئين هنا وإنما الضحايا؛ ضحايا الابتزاز، ضحايا التنمر وضحايا هذا المجتمع المدعي المثالية والذي ينصّب فيه أفراده دور وكلاء ادم في ذريته باسم التناصح والاحتساب.

لم ألق بهذه الإيميلات في سلة المهملات وأنوي الاحتفاظ بعفنها وعفن من خلفها لتذكرني دائما أنني أدين لهانا بيكر باعتذار كبير، فبالرغم أني لم أقدم على الانتحار إلا أنني عانيت ليالي كثيرة من الأرق والتفكير ولوم الذات على أنني مختلفة، وعنّفت نفسي لأني لست كما يريدني الآخرين، ووبختُ عقلي الذي وبمجرد أنه يفكر بطريقة لا يقبلها المجتمع، أصبحتُ (عاهرة)، (مستشرفة)، (منافقة)، و(عديمة التربية والأخلاق أستحق العار). تلك الايميلات كانت كفيلة بأن تحث مراهقة غير ناضجة أن تقدم على الانتحار، على الهرب من بلادها، أو على إلحاق الضرر بنفسها لأننا مجتمع لا يتفهم الاختلاف، ولا ينظر للخطأ على أنه تجربة تعلمنا وإنما سقطة نستحق من أجلها الخلود في جهنم. نحن شعب يركض خلف الفضيحة ركض الكلاب المسعورة وراء اللحم، نريد الستر وندعو من أجله، ولا نفكر مرتين في التغريد عن فلان السكران وفلان الحرامي أو مؤخرة فلانة “الفاشنيستا” التي ظهرت في إحدى جلسات التصوير بالخطأ، ثم وبكل بجاحة نبرر أنهم هم من “جابوه” لأنفسهم، وكأن الطبيعي منا يريد لنفسه الفضيحة والعار.

ولا نفكر لوهلة أنه ربما للحقيقة وجه آخر، وللحياة أسلوب مخالف، وأنه ربما لكل منا الحق في ارتكاب الخطأ والصواب من دون التربص والتجسس على بعضنا البعض. أرجو حقا أن ندرك أن التنمر مشكلة حقيقية يبدأ حلها في العمل بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم “من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه” و”المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”