بقعة الصودا ٣: الأم

يبدو كل شيء مائل من هذا الزاوية.. اللوحة الزيتية والطاولة الخشبية تحتها والتلفاز مائلين.. كل شيء مائل وضبابي، كيف باغتني النوم هكذا فجأة؟ كم الساعة الآن؟ لابد أنها بعد التاسعة صباحا بقليل فالبرنامج النسائي الصباحي قد بدأ للتو. لمَ لا أستطيع سماع أصوات المذيعات بشكل واضح؟ لا شيء واضح! لا أستطيع الرؤية بوضوح هكذا وانا ملقاة على الأرض نصف نائمة، والأصوات تأتي غمغمات مكتومة لا أستطيع تمييزها!! رأسي يؤلمني، ويبدو أن جدار الغرفة يتساقط أمامي وألوان اللوحة الزيتية تتداخل في موجات وتدور بسرعة .. لا شيء يبدو طبيعيا من هذه الزاوية.. يجب أن أنهض.. أطرافي لا تتحرك.. يجب أن أستجمع قواي وأذهب لسريري.. كيف باغتني النوم هكذا فجأة في وسط الصالة؟ لم يحدث هذا في حياتي قط.. كيف نمت هنا!! علي النهوض حالا ..لا أستطيع الشعور بأطرافي.. لحظة! لحظة! .. كيف يحصل هذا؟ لماذا أطفو؟ تتأرجح الغرفة من حولي وكأنها بنيت على سطح الماء! سأصاب بالغثيان إن استمر شعور التأرجح هذا .. على النهوض حالا!! لم لا أشعر بجسدي؟ لا زلت أطفو! مالّذي يحدث؟ أي قوةٍ هذه التي تسحبني للأعلى؟ ولم يتمايل العالم من حولي بينما أرتفع؟ تبدو الجدران أكثر شحوبة ولون البيت يميل إلى لون البرتقال. تمسّكي بأثاث البيت أو جدرانه لئلا ترتفعي أكثر.. هاه؟ أين يدي!! أين أطرافي مالذي يحصل لي!!! لم تدور الأرض من تحتي؟ جسدي هناك ملقى فوق بقعة الصودا!! تلك البقعة التي أحدثها ابني يوم شرب أول رشفة صودا في حياته!! أتيت مسرعة من الغرفة حالما سمعت صوت فرقعة الغازات حين فتح العلبة. لم أكن أريده أن يشربها؛ فهي مضرة بالصحة وتسبب هشاشة في العظام، واذا بليت أنا بشربها مع كل وجبة لكني لا أسمح لعائلتي بشرب هذا السم الأسود! أذكر هذا اليوم جيدا! طارت علبة الصودا منه بعد أن صفعته على وجهه، ثم صفعته مرة أخرى لأن بساط الصالة الأبيض تلطخ!! وأطعمته من الشتائم ما لذ وطاب كل يوم بعد هذه الحادثة، إلى أن بهتت البقعة وتحولت للون الأخضر وبهت معها غضبي! يجب أن أعود لغرفتي!! أشعر أنني مفصولة تماما عن هذا الواقع!! يجب أن أنهض حالا وأعود لسريري؟ لم أطفو هكذا؟ هل تلبّسني جني والآن أطير؟ هل أعيش كابوسا مرعبا لدرجة أني أعجز عن الاستيقاظ؟ يجب أن أنزل على الأرض! يجب أن استيقظ!! كل شيء ضبابي ولا أستطيع الرؤية من خلال غشاوة العين هذه.. يجب أن ينتهي هذا الكابو…. لحظة! هذه العمارة!!! إنني حقا أطير! مالذي يحصل لي؟ متى أكف عن الارتفاع والابتعاد للأعلى؟ كيف أسقط مرة أخرى للأرض لتنتهي دورة النوم اللعينة هذه؟ لم يهرع الناس نحو العمارة؟ مالذي يحصل داخل العمارة؟ وهذه سيارة الإسعاف تتوقف؟ مالذي يحصل؟ كيف أوقف هذا الكابوس؟ شهيق.. زفير.. شهيق.. زفير هكذا قالت المذيعة في برنامج الصباح.. شهيق زفير شهيق زفير شهيق زفير اللعنة لا شيء ينفع! إنني أبتعد .. لا صوت لي أصرخ به ليسمعني الآخرون وينقذوني ولا أطراف ألوّح بها!! لم لا يراني أحد!! هذه الكرة الأرضية بكبرها تحتي.. تبدو كما في الأفلام الوثائقية كرة زرقاء يكسو بعض أجزائها يابسٌ أخضر وأصفر.. مالذي يحدث بالفعل؟ كيف أتيت إلى هنا ولم أستمر في الصعود؟ متى أصل؟ إلى أين أصل؟ كيف يحدث التنفس هنا بكل انسيابية من دون خوذة فضائية!! أين أنا؟ كيف أعود لسريري؟ كيف أعود لواقعي؟ لأطفالي؟ لبيتي؟ كيف أستيقظ؟

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s